الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية يصدران بياناً صحافياً مشتركاً
بمناسبة يوم المياه العالمي
أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية بياناً صحافياً مشتركاً بمناسبة يوم المياه العالمي، الذي يصادف 22 آذار من كل عامل. يسلّط البيان هذا العام الضوء على العلاقة بين المياه والنوع الاجتماعي، وفقا للشعار الذي حددته الأمم المتحدة، تأكيدًا على أن التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية لا تقتصر على الجوانب البيئية أو التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا اجتماعية وتنموية تتعلق بالعدالة والمساواة في الوصول إلى المياه والخدمات المرتبطة بها.
وقد تم اختيار هذا الشعار انطلاقًا من حقيقة أن النساء والفتيات في مختلف أنحاء العالم يتحملن الجزء الأكبر من أعباء إدارة المياه على مستوى الأسر والمجتمعات، في الوقت الذي ما زالت فيه مشاركتهن في مؤسسات قطاع المياه وصنع القرار المائي محدودة. وفي هذا الإطار، يهدف التقرير إلى تسليط الضوء على واقع المرأة وقطاع المياه في فلسطين، وإبراز الأدوار الحيوية التي تؤديها النساء في إدارة الموارد المائية والتكيف مع تحدياتها، إلى جانب تحليل الفجوات القائمة في مشاركتهن المؤسسية، واستكشاف الفرص المتاحة لتعزيز دورهن في التخطيط وصنع القرار وتطوير خدمات المياه، بما يضمن توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة.
الإناث يشكلن 49% من المجتمع الفلسطيني، وأكثر من مليوني امرأة وفتاة يتأثرن بأزمة المياه الناتجة عن سيطرة الاحتلال على الموارد المائية الفلسطينية.
لا يمكن فهم الواقع المائي في فلسطين باعتباره أزمة ندرة طبيعية فحسب، بل هو في جوهره أزمة سيادة وتحكم بالموارد. فمنذ عام 1967، أحكمت إسرائيل سيطرتها الفعلية على منظومة الموارد المائية الفلسطينية، الجوفية والسطحية، مما أدى إلى إخلال جذري بمبدأ “الاستخدام العادل والمنصف” المنصوص عليه في القانون الدولي للمجاري المائية الدولية.
تشير البيانات الرسمية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على أكثر من85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية في الأحواض الثلاثة الرئيسية في الضفة الغربية (الغربي، والشرقي، والشمالي الشرقي)، عبر التحكم بحفر الآبار، ومنع تطوير آبار جديدة، وفرض قيود صارمة على إعادة تأهيل الآبار القائمة، بالتوازي مع استغلال مكثف لهذه الأحواض لصالح المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية. ونتيجة لذلك، لا يحصل الفلسطينيون حتى اليوم على حقوقهم المائية، ولا حتى على الكميات التي نصت عليها الاتفاقية المرحلية لعام 1995، رغم مرور ثلاثة عقود على توقيعها.
هذه السيطرة لا تقتصر على تقاسم غير عادل للكميات، بل تمتد إلى التحكم بمنظومة الإنتاج والنقل والتوزيع، بما في ذلك إلزام الجانب الفلسطيني بشراء كميات متزايدة من شركة “ميكوروت”، وتحميله فاقد المياه في الخطوط الواقعة ضمن مناطق “ج”، وخصم تكاليف مختلفة من أموال المقاصة، ما يحوّل المياه من مورد طبيعي إلى أداة ضغط مالية وسياسية.
أما على صعيد المياه السطحية، فيُحرم الفلسطينيون بشكل شبه كامل من حقهم في مياه نهر الأردن، رغم كونهم دولة مشاطئة. فقد انفردت إسرائيل بالسيطرة على مجرى النهر وخيراته الاقتصادية، إضافة إلى البحر الميت، ومنعت أي وصول فلسطيني فعلي إليهما منذ عام 1967. كما تضع عراقيل ممنهجة أمام استغلال مياه الأمطار في الضفة الغربية، والتي تُقدَّر بأكثر من 165 مليون متر مكعب سنوياً، من خلال منع إنشاء سدود أو برك تجميع في العديد من المناطق المصنفة “ج”، ما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من هذه المياه باتجاه البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن دون استفادة فلسطينية منها.
هذا الواقع خلق أزمة مائية يعيشها الشعب الفلسطيني بشكل عام، وحيث تظهر البيانات تقارباً عددياً واضحاً بين الذكور والإناث، حيث تشكل الاناث ما يقارب نصف المجتمع الفلسطيني 49% إلا أنه ورغم هذا التقارب العددي، فإن آثار شح المياه وتدهور خدماتها في غزة بشكل خاص لا تتوزع بشكل متساوٍ بين الجنسين، إذ تلعب الأدوار الاجتماعية والاقتصادية دوراً حاسماً في تحديد من يتحمل العبء الأكبر في إدارة الموارد المائية داخل الأسرة والمجتمع، والذي يجعل النساء والفتيات في الخط الأمامي للتعامل مع آثار شح المياه وعدم انتظام خدماتها. كما أن التفاوت الجغرافي بين المناطق، والاعتماد النسبي لبعض المجتمعات المحلية على الأنشطة الزراعية، كلها عوامل تساهم في تضخيم الأثر الجندري للأزمة المائية.
61.5% من الإناث في الضفة الغربية لم تصل الى الحد الأدنى لحصة الفرد اليومية من المياه
تشير البيانات أن عدد الإناث التي تعيش في محافظات لم تصل إلى الحد الأدنى لحصة الفرد باليوم الموصى به عالميا 100 لتر/فرد/اليوم يصل إلى ما مجموعه1,014,000 أنثى، أي ما يعادل 61.5% من مجموع الإناث في الضفة الغربية. وإذا أخذ بعين الاعتبار ظروف النازحين من المخيمات فإن هذه النسبة ستكون أعلى.
وحيث أن النساء تتحمل تقليدياً مسؤوليات الإدارة المنزلية، بما في ذلك توفير المياه، وتخزينها، وترشيد استخدامها، وضمان استمرارية الأنشطة المرتبطة بالطهي والنظافة والرعاية الصحية للأطفال وكبار السن. وعندما تصبح المياه سلعة نادرة أو متقطعة أو باهظة الثمن، تتحول هذه المسؤوليات إلى عبء يومي مركّب، يجمع بين الضغط الجسدي والنفسي والاقتصادي.
كما أن السيطرة على الموارد المائية وتقييد التنمية الزراعية لا ينعكسان فقط على الاقتصاد الكلي، بل يؤثران بشكل مباشر على النساء المزارعات واللاواتي يمثلن نسبة 13 %من المجتمع الفلسطيني، كما يؤثر على فرص العمل والإنتاج المنزلي، ما يعمّق فجوات الدخل ويزيد من هشاشة الأسر التي تعيلها نساء. وفي المناطق المهمشة ومناطق "ج"، حيث يعتمد السكان على نقل المياه بالصهاريج، تتضاعف الكلفة المالية على الأسرة.
التركيبة السكانية الفتية في الضفة الغربية تزيد الطلب على خدمات المياه والصرف الصحي
تظهر قراءة التركيب العمري للسكان أن المجتمع في الضفة الغربية يتميز بكونه مجتمعاً فتيّاً نسبياً، هذه التركيبة العمرية تعني أن الطلب على خدمات المياه لا يرتبط فقط بعدد السكان، بل أيضاً بطبيعة الاحتياجات المرتبطة بالصحة والتعليم والرعاية المنزلية. فارتفاع نسبة الأطفال يزيد من الحاجة إلى مياه آمنة في المنازل والمدارس والمرافق الصحية، كما يرفع من حساسية المجتمع للأمراض المرتبطة بالمياه والنظافة، وهو ما يجعل انتظام خدمات المياه وجودتها مسألة أساسية للصحة العامة والتنمية الاجتماعية
|
الفئة المجتمعية |
النسبة التقديرية |
العدد المقدر (نهاية 2025) |
الدلالة المائية |
|
الأطفال (دون 15 عاماً) |
34.5% |
1,183,370 |
حساسية عالية للأمراض المائية والحاجة للمياه في المدارس. |
|
النساء في سن الإنجاب |
24% |
823,215 |
احتياجات خاصة للنظافة الصحية والتعقيم. |
|
ذوي الاحتياجات الخاصة |
5.8%* |
198,943 |
صعوبة الوصول الفيزيائي لمصادر المياه البديلة (الصهاريج). |
|
المزارعات والريفيات |
13%* |
445,908 |
الارتباط المباشر بين وفرة المياه والأمن الغذائي والتمكين الاقتصادي. |
|
كبار السن (+65 سنة) |
3.7% |
126,912 |
الحاجة لرعاية صحية منزلية تعتمد على وفرة المياه. |
النزوح في شمال الضفة الغربية وتفاقم الأعباء على النساء والفتيات
تشير التقديرات إلى أنه حتى سبتمبر 2025 نزح ما لا يقل عن 31,919 لاجئًا فلسطينيًا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، نتيجة العمليات العسكرية الاسرائيلية وتضرر البنية التحتية. وتوضح التقارير الدولية أن آثار النزوح القسري لا تتوزع بشكل متساوٍ بين الرجال والنساء، إذ تتحمل النساء غالبًا مسؤولية إدارة احتياجات المياه داخل الأسرة. ومع تدمير أو تعطل شبكات المياه والصرف الصحي، تضطر العديد من النساء إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه في ظروف صعبة وغير آمنة، كما أن الاكتظاظ في أماكن الإيواء المؤقتة يحدّ من توفر مرافق صحية ملائمة، ما يزيد من المخاطر الصحية ويؤثر على الكرامة والخصوصية، خاصة للنساء والفتيات.
تراجع حاد في إتاحة المياه دون الحد الأدنى الإنساني في قطاع غزة
في قطاع غزة، يتخذ الواقع المائي بعداً أكثر حدة وتعقيداً. حيث تشير التقديرات إلى أن متوسط إمدادات المياه في بعض مناطق غزة انخفض إلى ما بين 3–5 لترات للفرد يومياً طوال فترات العدوان، وهو مستوى أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء على الحياة البالغ 15 لترًا للفرد يوميًا وفق المعايير الإنسانية الدولية. وحيث تدهورت كميات المياه المزودة إلى مستويات تهدد البقاء، وتضررت شبكات الصرف الصحي، فإن البعد الجندري يصبح أكثر وضوحاً. ولاحقا للتدخلات الحكومية المتواصلة في غزة ارتفعت حصة الفرد لتصل إلى ما معدله 21 لتر/الفرد/اليوم، إلا انها ما زالت متدنية وغير ثابتة جراء الظروف الاستثنائية الصعبة مع اغلاق المعابر وعدم توفر الوقود.
هذا النقص الحاد في المياه يقيّد قدرة النساء والفتيات على الحفاظ على النظافة الشخصية، ويؤثر على الصحة الإنجابية، ويقوّض الخصوصية في مراكز الإيواء، ويزيد من مخاطر التعرض للعنف والمخاطر أثناء البحث عن المياه أو استخدام مرافق غير آمنة، هذا الواقع أثر على جميع فئات المجتمع بصور متفاوتة. فندرة المياه، وعدم انتظام التزويد، وارتفاع الكلفة، وتدهور خدمات الصرف الصحي، جميعها عوامل تتقاطع مع البنية الاجتماعية وأدوار النوع الاجتماعي، لتجعل أثر الأزمة المائية مضاعفاً على النساء والفتيات.
التوزيع السكاني وكميات المياه- النزوح الواسع في قطاع غزة يفاقم تحديات توفير المياه
شهد التوزيع السكاني في قطاع غزة تحولات جذرية منذ اندلاع العدوان، بعد أن كان يتسم قبلها بدرجة من الاستقرار النسبي وتوازن السكان بين المحافظات المختلفة. فقد أدت أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية الواسعة إلى نزوح شبه كامل لسكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، تشكل النساء ما يقارب نصفهم. ونتيجة لذلك تركزت الكثافة السكانية بشكل غير مسبوق في المناطق الجنوبية، خاصة في رفح، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى المنطقة الوسطى وأجزاء من خانيونس. وقد أفرزت هذه التحولات أنماطًا سكنية طارئة ومكتظة، مثل مراكز الإيواء والمخيمات المؤقتة والمساكن المتضررة، ما تسبب في ضغط شديد على الخدمات الأساسية، وعلى رأسها خدمات المياه والصرف الصحي، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار السكاني المرتبطة بتطورات الوضع الأمني، مع بوادر استقرار نسبي في بعض المناطق بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
|
المحافظة |
عدد السكان |
متوسط الفترة ما بين أكتوبر 2025 وفبراير 2026 (بعد وقف إطلاق النار) |
||
|
كميات المياه المنتجة من المصادر المختلفة (متر مكعب/يوم) |
كميات المياه على مستوى الوصول للسكان (متر مكعب/يوم) |
متوسط حصة الفرد على مستوى الاستهلاك (لتر/ فرد/ يوم) |
||
|
شمال غزة |
93,933 |
3,040 |
992 |
10.6 |
|
غزة |
673,824 |
25,760.5 |
10,120 |
15.0 |
|
الوسطى/ دير البلح |
609,355 |
45,639.7 |
18,934.9 |
31.1 |
|
خانيونس وشمال غرب رفح |
740,503 |
37,257.2 |
14,897.1 |
20.1 |
|
إجمالي |
2,117,615 |
111,697 |
44,944 |
21.2 |
وأظهر التقييم المشترك لقطاع المياه في غزة لعام 2025 أن 15% من الأسر تعتمد على الأطفال كمجمعين رئيسيين للمياه، وأن 77% من الأسر تعتمد على صهاريج نقل المياه كمصدر رئيسي، وهو ما يعكس أعباءً جندرية واضحة، إذ تتحمل النساء والفتيات المسؤولية الأساسية في إدارة المياه المنزلية.
الانهيار شبه الكامل في خدمات الصرف الصحي في غزة يشكل معاناة يومية صعبة
تشير التقديرات إلى أن أكثر من من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ بداية الحرب، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة إدارة مياه الصرف الصحي. وقد نتج عن ذلك انتشار المياه العادمة في المناطق السكنية وارتفاع مخاطر التلوث البيئي وزيادة الأمراض المنقولة بالمياه. كما تظهر التقييمات القطاعية عدم وجود وصول فعلي إلى خدمات صرف صحي مُدارة بأمان، مع تعرض نحو 57% من السكان لمياه الصرف الصحي على مسافة تقل عن 10 أمتار من مساكنهم. وقد انعكس هذا الوضع في ارتفاع ملحوظ للأمراض، بما في ذلك تضاعف حالات الإسهال المائي الحاد وازدياد الأمراض الجلدية والطفيليات، خاصة في ظل كون الأطفال دون سن 15 عاماً يشكلون نحو 39% من سكان غزة. ويزيد ذلك من الأعباء الصحية والاجتماعية على الأسر، خصوصًا الأمهات، وتشير التقارير الإنسانية إلى أن نحو 700 ألف امرأة وفتاة في قطاع غزة يواجهن صعوبات كبيرة في إدارة النظافة الشهرية بسبب نقص المياه ومواد النظافة .
دور المرأة الفلسطينية في مؤسسات قطاع المياه: بين غياب التمثيل وإدارة الأزمة
في الوقت الذي تشكل فيه الإناث في فلسطين 49% من إجمالي السكان ويقدمن خدمات مجتمعية حيوية في إدارة الأزمة المائية المنزلية، فإن تمثيلهن في المؤسسات الرسمية لقطاع المياه لا يزال محدوداً للغاية ويعكس فجوات هيكلية عميقة. تشير بيانات المسح الذي أجراه البنك الدولي لـ 64 مؤسسة تعمل في مجال المياه إلى أن متوسط تمثيل النساء في القوى العاملة بهذه المؤسسات لا يتجاوز 18%. تطبق هذه النسبة لتعكس واقعاً أكثر تعقيداً؛ ففي الضفة الغربية، تواجه النساء عوائق مضاعفة تتمثل في التركيز في الأدوار الإدارية والمالية (الوظائف "الأنثوية" تقليدياً) دون الفنية أو الميدانية (مثل قسم العمليات والصيانة الذي يشكل فيه الرجال الغالبية العظمى)، هذا الغياب لا يحرم النساء فقط من فرص عمل متكافئة، بل يحرم مؤسسات المياه من نصف طاقتها الابتكارية وقدرتها على فهم احتياجات نصف المجتمع (النساء) اللواتي يُعتبرن المستخدمات الأساسيات للمياه في المنازل.
ملاحظة:
البيانات الواردة في البيان الصحافي لا تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل عنوة بعد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967.
